كيف دافعت نقابة المحامين عن الإنسان قبل أن تدافع عن المحامي؟
هناك مؤسسات تُقاس بما تمتلكه من أموال، وأخرى بما تشيده من مبانٍ، لكن هناك مؤسسات نادرة تُقاس بما تتركه في ضمير الأمة. وكانت نقابة المحامين المصرية، عبر محطات طويلة من تاريخها، واحدة من هذه المؤسسات؛ إذ لم يكن دورها مقتصرًا على تنظيم شؤون المهنة، بل امتد إلى الدفاع عن الإنسان، وصيانة الحقوق والحريات، وترسيخ سيادة القانون، وحماية استقلال القضاء.
لقد أدرك المحامون المصريون، منذ نشأة النقابة، أن المحاماة ليست تجارة، وإنما رسالة، وأن الدفاع عن المتهم ليس دفاعًا عن الجريمة، وإنما دفاع عن حق الإنسان في محاكمة عادلة، وهو مبدأ استقر في الفكر القانوني الحديث، وأصبح من ركائز العدالة في الدساتير والمواثيق الدولية.
ولذلك لم يكن غريبًا أن يقف المحامون في طليعة المدافعين عن الحريات العامة كلما تعرضت للانتقاص، وأن يشاركوا في النقاشات الوطنية حول الدستور والتشريعات المنظمة للحقوق العامة، وأن يعتبروا استقلال القضاء واستقلال المحاماة وجهين لعملة واحدة؛ فلا قضاء مستقل بلا محاماة مستقلة، ولا محاماة حرة بلا قضاء نزيه ومستقل.
لقد شارك رجال المحاماة في الدفاع عن الحياة الدستورية منذ بدايات القرن العشرين، وأسهم عدد كبير منهم في مناقشات وصياغة دستور 1923، الذي مثّل محطة بارزة في التاريخ الدستوري المصري، ورسّخ مبادئ المسؤولية الوزارية، والفصل بين السلطات، وضمانات الحقوق العامة.
وكانت نقابة المحامين، في مراحل متعددة، تعلن رفضها للمساس باستقلال القضاء أو الانتقاص من الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، لأن المحامي يعلم أن أول من يدفع ثمن غياب هذه الضمانات ليس المحامي، وإنما المواطن البسيط الذي يلجأ إلى القضاء طلبًا للعدل.
وعلى مدى عقود، لم تقتصر رسالة المحامين على قاعات المحاكم، بل امتدت إلى الدفاع عن حرية الصحافة، وحرية الرأي، وحرية التنظيم النقابي، والحق في التقاضي، وهي حقوق كفلها الدستور المصري في مراحله المختلفة، وأكدتها المواثيق الدولية التي انضمت إليها الدولة المصرية.
ولم يكن المحامون يسألون من هو صاحب القضية قبل أن يدافعوا عنه؛ فالقاعدة التي آمنوا بها دائمًا هي أن العدالة لا تعرف الأشخاص، وإنما تعرف الحقوق. ولهذا وقف كبار المحامين للدفاع عن أصحاب الرأي، وعن المتهمين في القضايا السياسية والجنائية على السواء، انطلاقًا من أن حق الدفاع حق مقدس لا يجوز مصادرته.
وقد أكدت المحكمة الدستورية العليا في العديد من أحكامها أن حق الدفاع من الضمانات الدستورية الأصيلة للمحاكمة المنصفة، وأن تمكين المتقاضي من الدفاع عن نفسه أو بواسطة من يختاره من المحامين هو من مستلزمات العدالة وسيادة القانون. كما استقر قضاء محكمة النقض على أن الإخلال بحق الدفاع يعد من أسباب بطلان الأحكام متى كان مؤثرًا في سلامة المحاكمة.
ومن هنا اكتسبت المحاماة مكانتها الدستورية، إذ نصت الدساتير المصرية المتعاقبة، ومنها دستور 2014، في المادة (198)، على أن المحاماة مهنة حرة، تشارك السلطة القضائية في تحقيق العدالة وسيادة القانون وكفالة حق الدفاع. وهذه العبارة لم تأت تكريمًا للمحامين، وإنما إقرارًا بأن العدالة لا تكتمل إلا بشراكة حقيقية بين القضاء والمحاماة.
ولعل من أبرز الشواهد التاريخية على ارتباط المحامين بقضايا الحرية مشاركة أعداد كبيرة منهم في الحركة الوطنية ضد الاحتلال البريطاني، وفي الدفاع عن المعتقلين السياسيين خلال فترات مختلفة من تاريخ مصر، كما كان لهم حضور بارز في اللجان القانونية، والجمعيات التشريعية، والهيئات التي ناقشت إصلاح القضاء وتطوير القوانين.
ولم يكن الدفاع عن استقلال القضاء شعارًا يُرفع في المناسبات، بل كان مبدأً راسخًا؛ لأن القاضي والمحامي يؤديان رسالة واحدة، وإن اختلف موقع كل منهما. فالقاضي لا يستطيع أن يصل إلى الحقيقة إلا إذا وجد أمامه دفاعًا حرًا، والمحامي لا يستطيع أن يؤدي رسالته إذا فقد القضاء استقلاله وهيبته.
لقد كانت النقابة تدرك أن الدفاع عن الحريات ليس امتيازًا تمنحه الدولة، بل واجب وطني وأخلاقي تفرضه رسالة المحاماة. ولذلك ارتبط اسمها، في الوعي العام، بالدفاع عن سيادة القانون قبل أي شيء آخر، حتى أصبح المواطن يشعر بأن للمحامي دورًا يتجاوز الدفاع عن موكله إلى الدفاع عن حق المجتمع كله في العدالة.
غير أن تغير الظروف السياسية والاجتماعية والقانونية عبر العقود أدى إلى تغيرات في طبيعة الدور العام للنقابات المهنية، ومنها نقابة المحامين. وهذه التغيرات تستحق دراسة هادئة وموضوعية، بعيدًا عن الأحكام المطلقة، لفهم أثرها في حضور النقابة في المجال العام، وفي قدرتها على القيام بأدوارها التاريخية.
إن استعادة هذا التاريخ ليست دعوة للعيش في الماضي، وإنما تذكير بأن قوة نقابة المحامين لم تكن يومًا في عدد أعضائها أو مواردها المالية، بل في الثقة التي منحها لها المجتمع عندما رأى فيها حصنًا للحرية، وملاذًا للعدل، وصوتًا للقانون.
وسيظل السؤال مطروحًا: إذا كانت نقابة المحامين قد دافعت في مراحل طويلة عن حرية المجتمع كله، فهل تستطيع اليوم أن تستعيد هذا الدور بما يتلاءم مع تحديات العصر، لتظل كما أرادها الرواد: بيتًا للحرية، وشريكًا في تحقيق العدالة، وحارسًا لسيادة القانون؟
عبد الله ربيع المحامي بالنقض ورئيس اتحاد المحامين العربي الأوروبي

