قد يبدو الاعتراف، في ظاهره، أقصر الطرق إلى الإدانة. لكن العدالة الجنائية لا تقاس بما يبدو ظاهراً، وإنما بما يستقر في يقين المحكمة بعد تمحيص الدليل ومصدره والظروف التي أحاطت به.والاعتراف – وإن كان من أدلة الإثبات التي تملك المحكمة تقديرها – ليس دليلاً فوق المناقشة، ولا قولاً منزهاً عن البحث والتمحيص، وإنما هو دليل يجب أن تتوافر له شروطه حتى تطمئن إليه المحكمة وتأخذ به.
إن السؤال ليس فقط:هل اعترف المتهم؟وإنما السؤال الأهم: كيف اعترف؟ ولماذا اعترف؟ وتحت أي ظروف صدر اعترافه؟ وهل كان وليد إرادة حرة أم وليد ضغط أو تهديد أو إكراه؟ فهذه هي نقطة الفصل.
وقد استقرت أحكام محكمة النقض على أن الاعتراف في المسائل الجنائية من عناصر الاستدلال التي تملك محكمة الموضوع كامل الحرية في تقدير صحتها وقيمتها في الإثبات، فلها أن تأخذ به متى اطمأنت إلى صدقه ومطابقته للحقيقة والواقع.
وهنا تكمن دقة المسألة.فالمحكمة لا تأخذ بالاعتراف لمجرد أنه اعتراف، وإنما تأخذ به عندما تطمئن إلى صدقه وسلامة مصدره ومطابقته للحقيقة.
ومن ثم فإن الدفاع، حين ينازع في اعتراف المتهم، لا ينازع في مجرد كلمات قيلت، وإنما ينازع في القيمة القانونية لهذه الكلمات وفي الظروف التي أنتجتها.
إن الاعتراف الذي يصدر عن إرادة حرة شيء، والاعتراف الذي يُنتزع تحت وطأة الإكراه شيء آخر تماماً.فالأول قد يكون دليلاً.أما الثاني فلا يجوز أن يكون طريقاً إلى الإدانة. وقد استقر قضاء النقض على أن الاعتراف الذي يكون وليد إكراه لا يعول عليه، ولو كان مطابقاً للحقيقة، لأن القانون لا يقر وسيلة غير مشروعة للوصول إلى الحقيقة.
وهذه قاعدة لا تتعلق بمصلحة المتهم وحده، وإنما تتعلق بهيبة العدالة ذاتها.فالعدالة لا تحتاج إلى اعتراف منتزع، ولا يجوز أن تكون الحقيقة ثمناً لإهدار إرادة الإنسان .وقد يقول قائل: إن المتهم اعترف ثم عاد وأنكر.
فنقول:إن العدول عن الاعتراف لا يهدره تلقائياً، كما أن الاعتراف لا يحسم الدعوى بمجرد صدوره.
والعبرة في النهاية بما تطمئن إليه المحكمة بعد أن تزن الاعتراف في ضوء ظروف الدعوى كلها وأدلتها الأخرى.
فالمحكمة تملك أن تأخذ بالاعتراف ولو عدل عنه صاحبه، متى اطمأنت إلى صحته، كما تملك أن تطرحه إذا لم تطمئن إليه.
وهنا يظهر الفارق بين سلطة المحكمة في تقدير الدليل، وبين افتراض حجية الدليل لمجرد وجوده. فليس في القانون ما يجعل الاعتراف عصياً على المناقشة.وليس في العدالة ما يمنع الدفاع من البحث في مصدره وظروفه وملابساته.
بل إن ذلك هو صميم عمل الدفاع.
إننا لا نطلب إسقاط اعتراف لمجرد أن المتهم أنكره. ولا نطلب طرح دليل لمجرد أنه جاء في غير مصلحة الدفاع.
ولكننا نطلب شيئاً واحداً: أن يوضع الاعتراف في موضعه الصحيح من ميزان العدالة. أن تبحث المحكمة إرادة صاحبه.
أن تبحث ظروف صدوره. و أن تبحث مدى اتساقه مع باقي الأدلة. و أن تبحث ما إذا كان قد صدر طواعية واختياراً.
وأن تتأكد قبل أن تجعل منه أساساً للإدانة أنه لا يحمل في طياته أثراً لإكراه مادي أو معنوي، أو وعد أو وعيد، أو ضغط يفقد الإرادة حريتها. فإذا اطمأنت المحكمة إلى سلامة الاعتراف، أخذت به. وإذا داخلها الشك في مصدره أو حريته أو دلالته، فلا يجوز أن يتحول هذا الشك إلى يقين بالإدانة .
إن أخطر ما في الاعتراف أنه قد يبدو دليلاً سهلاً.
لكن العدالة لا تعرف الأدلة السهلة، وإنما تعرف الأدلة المشروعة. والاعتراف الحقيقي هو الذي يكشف الحقيقة. أما الاعتراف المنتزع فلا يكشف الحقيقة بقدر ما يكشف مقدار الضغط الذي تعرض له صاحبه.ولهذا تبقى القاعدة التي ينبغي ألا تغيب عن ذهن الدفاع والمحكمة معاً:
ليس كل اعتراف حجة، وليس كل تراجع عنه دليلاً على الكذب ، وإنما العبرة باعتراف تطمئن المحكمة إلى أنه صدر عن إرادة حرة، وجاء متسقاً مع الحقيقة والواقع.
وتلك هي العدالة التي نريدها:عدالة لا تبحث عن إدانة بأي طريق، وإنما تبحث عن الحقيقة بالطريق الذي رسمه القانون.
محامي بالنقض . رئيس اتحاد المحامين العربي الأوروبي .

