خبر القبض على شابين بعد نشرهما نتائج تحاليل لعينات من مياه معبأة هزّ الناس، لكن الأثر الأكبر ظهر داخل غرف الأخبار. كثير من الصحفيين، خاصة العاملين في التحقيقات الاستقصائية، بدأوا يسألون بجدية: هل كشف خلل محتمل في خدمة أساسية قد يعرّض الصحفي نفسه للخطر؟ وهل مساحة العمل الرقابي تضيق أمام أعيننا دون أن نلاحظ؟
أنا لا أكتب هنا عن تفاصيل الواقعة، فهي أمام جهات التحقيق، لكن ما يهمني هو انعكاسها المهني. معظم التعليقات التي سمعتها من زملاء وزميلات كانت تعبر عن خوف من الالتباس القانوني، وإحساس بأن البيئة التي نعمل فيها تغيّرت بالفعل، وربما أسرع مما استوعبناه.
التطورات التشريعية خلال السنوات الأخيرة أثّرت بوضوح على مساحات النشر. فالقانون المنظم لجرائم تقنية المعلومات، وبعض نصوص قانون العقوبات، والمواد الجديدة الخاصة بنشر معلومات “من شأنها التأثير على الأمن أو السلم العام”، كوّنت جميعها مناخًا تشريعيًا مختلفًا عن ذلك الذي تعوّد عليه الصحفيون. النصوص لم تعد تقف عند صحة المعلومة، بل تتوسع لتشمل أثر النشر نفسه، وتأثيره على السوق، والخدمات الأساسية، والرأي العام. وهذا التحول مهم جدًا لأن كثيرًا من العاملين في الإعلام ما زالوا يمارسون دورهم وفق قواعد سابقة كانت تمنح مساحة أوسع لحسن النية وللرقابة المجتمعية.
خلال اليومين الماضيين، ظهرت أيضًا دعوات تطالب بزيادة القيود على ما ينشر في قضايا الصحة العامة، باعتبار أن ما فعله الشابان أثار ذعرًا لدى البعض. هذا الاتجاه قد يبدو مفهومًا على المدى القصير، لكنه يحمل مخاطر أكبر بكثير على المدى البعيد. أي تقنين فضفاض أو غير محدد سيفتح الباب لتقييد أوسع، ليس فقط للصناع المحتوى، بل للصحفيين الجادين الذين يعملون بمنهجية واضحة وأدلة. الصحافة الاستقصائية بطبيعتها تحتاج مساحة حركة، والخلط بين المحتوى غير المنضبط وبين العمل الصحفي المهني قد يجعل الكلفة القانونية والمهنية للتحقيقات أعلى من قدرة أي صحفي على تحملها.
ولهذا كنت حريصة منذ البداية على ألا أدافع عن الشابين ولا أهاجمهما. النقاش الحقيقي ليس عنهما، بل عمّا قد يترتب على الواقعة من اتجاهات تشريعية أو ممارسات قد تُستخدم لاحقًا ضد أي محاولة لإنتاج تحقيق صحفي جاد. ربما شاب ما فعله الشابان قصور في المنهج العلمي وطريقة تقديم النتائج، لكنه لا يبرر القبض عليهما، ولا يجب أن يتحول إلى سبب لتضييق أكبر على الصحافة المحترفة.
في هذا السياق جاءت مداخلة الأستاذ نجاد البرعي، المحامي الحقوقي المعروف، التي أشار فيها إلى الإبلاغ المسبق للجهات المختصة كخطوة احترازية. أفهم تمامًا خلفية هذا الطرح، خاصة في هذا المناخ القانوني المتغيّر. لكن من المهم التأكيد على أن الإبلاغ ليس شرطًا قانونيًا ملزمًا قبل النشر. القاعدة القانونية الأصلية ما زالت واضحة: ألا يقدّم الصحفي معلومات مضللة، وألا يكون الهدف نشر الذعر أو الإضرار بالناس. ومع ذلك، يظل البعد الاحترازي الذي أشار إليه واقعًا ينبغي التفكير فيه، خاصة في السياقات التي قد يُساء فيها فهم عمل الصحافة أو تقييم أثره.
الإشكالية الحقيقية اليوم هي إشكالية مهنية وقانونية وأخلاقية في آن واحد. الواقعة أعادت فتح ثلاثة ملفات جوهرية:
أولًا: حدود حسن النية. هل النية الحسنة كافية اليوم؟ أم أننا أمام مشهد يفرض على الصحفي امتلاك أدوات تحقق أقوى قبل النشر؟
ثانيًا: حدود الرقابة المجتمعية. كيف نضمن حق المجتمع في المعرفة دون أن تصبح أي محاولة للفحص أو المساءلة مخاطرة غير محسوبة؟ وكيف نحمي الجمهور من المعلومات غير الدقيقة دون أن نقيّد دوره في الرقابة؟
ثالثًا: حدود خصوصية الشركات التي تقدم خدمات أساسية. هل يمكن الحديث عن خصوصية تمنع الفحص أو النشر في قضية مثل مياه الشرب؟ أم أن حق الناس في المعرفة يجب أن يكون في المقدمة؟
وبعيدًا عن هذه الأسئلة، يبقى السؤال الأهم الآن في نظر الناس: ما حقيقة وضع المياه؟ الجميع ينتظر بيانًا علميًا يوضح ما تم، وما إذا كانت هناك مشكلة فعلًا أم لا. الاهتمام الحقيقي الآن موجّه إلى المنتج نفسه، لا إلى الشخصين، والجمهور يريد إجابة واضحة من الدولة.
أما بخصوص الشابين، فالتحقيق الرسمي سيحدد الحقائق. لكن المؤكد أن هذه الواقعة تذكّرنا بأن مستقبل العمل الصحفي، وخاصة الاستقصائي، يحتاج إلى نقاش مهني جاد، وإلى قواعد واضحة تحمي حق المجتمع في المعرفة، وتمنح الصحفي مساحة للعمل دون خوف، وتضمن في الوقت نفسه سلامة المعلومات المتداولة
عبير سعدي : صحفية مصرية وعضو سابق بمجلس نقابة الصحفيين

