تعرب المؤسسة العربية لدعم المجتمع المدني وحقوق الإنسان عن بالغ قلقها وادانتها لموافقة مجلس النواب مجددا على مشروع قانون الإجراءات الجنائية بعد إعادته من رئيس الجمهورية لإعادة النظر فيه، وذلك يوم الخميس الموافق 16 أكتوبر 2025 .
ومرر القانون دون أن تُجرى عليه تعديلات تستجيب للملاحظات الجوهرية التي سبق أن أُثيرت من جانب المنظمات الحقوقية والخبراء القانونيين ، وقرر المجلس تطبيق القانون الجديد إلى أكتوبر 2026.
وترى المؤسسة أن التعديلات الأخيرة على عدد من المواد قد مررت القيود ذاتها على حقوق الدفاع وضمانات المحاكمة العادلة بدلًا من تعزيزها، وهو ما يُشكل تراجعًا خطيرًا عن الالتزامات الدستورية والدولية لمصر في مجال حماية حقوق الإنسان.
فقد جاءت المادة (105) بصيغة تسمح باستجواب المتهم دون حضور محاميه في “حالة الضرورة” أو “خشية فوات الوقت”، وهو ما يفتح الباب لتأويلات واسعة تمس أحد أهم ركائز العدالة الجنائية، إذ يُفترض أن حضور المحامي أثناء الاستجواب حق أصيل لا يُقبل الانتقاص منه بأي مبرر.
كما أبقت على المادة 48 الخاصة بتفتيش المنازل في حالة الضرورة بدون اذن قضائي كما هو مقرر في المادة 47 من القانون في حالات الخطر الناجم، أو الحريق أو الغرق أو ما شابه ذلك. ومصطلحات مثل ” الخطر الداهم ” او ما شابه تحتوى على قدر من التعميم يسمح باعطاء جهات الأمن هذه الصلاحية وفقا لهذه وتسمح نص المادة بدخول رجال السلطة العامة إلى المنازل أو الأماكن الخاصة دون إذن مسبق من النيابة العامة، وهو ما ينتهك مبدأ حرمة المسكن المنصوص عليه في الدستور ويتيح مساحة واسعة للتجاوز في التنفيذ العملي.
وتتضمن المادة (112) نصوصًا تسمح بإيداع المتهم في مراكز الإصلاح أو الاحتجاز عند تعذر استجوابه لعدم حضور محامٍ، دون تحديد مدة قصوى أو ضمانة قضائية كافية للتظلم، بما يتعارض مع الحق في الحرية الشخصية ومعايير الاحتجاز العادل المنصوص عليها في العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية.
وبالرغم من زيادة بدائل الحبس الاحتياطي في المادة 114 إلى 7 تدابير على النحو التالي : .. إلزام المتهم بعدم مبارحة مسكنه أو موطنه، أو إلزامه بأن يقدم نفسه لمقر الشرطة في أوقات محددة، أو حظر ارتياده أماكن محددة، أو إلزامه بعدم مغادرة نطاق جغرافي محدد إلا بعد الحصول على إذن النيابة، أو إلزامه بالامتناع عن استقبال أو مقابلة أشخاص معينين أو الاتصال بهم بأي شكل من الأشكال، أو منعه مؤقتاً من حيازة أو إحراز الأسلحة النارية والذخيرة، وتسليمها لقسم أو مركز الشرطة الذي يقع في دائرته محل إقامته، وأخيراً استخدام الوسائل التقنية في تتبع المتهم حال توافر ظروف العمل بها ، ويصدر بها قرار من وزير العدل بالتنسيق مع وزيري الداخلية والاتصالات”.
وبالرغم من زيادة التدابير كما هو منصوص اعلاه ، ، الأن أن المشروع لم تضمن عدم تكرار ظاهرة ” التدوير” للمحبوسين على ذمة قضايا مختلفة بذات الاتهامات.
كما تثير المادة (123) القلق من حيث غياب الضمانة لعرض المتهمين دوريًا على جهة قضائية مستقلة خلال فترات الحبس الاحتياطي، ما قد يؤدي إلى استمرار احتجاز الأفراد لفترات طويلة دون مراجعة فعالة أو إشراف قضائي دوري.
إن هذه المواد مجتمعة تُكرّس صلاحيات واسعة للنيابة العامة ورجال الضبط القضائي على حساب حقوق المتهمين والدفاع، وتقوض مبدأ الفصل بين السلطات، وتهدد بتحويل الإجراءات الجنائية من وسيلة لتحقيق العدالة إلى أداة للهيمنة على الحريات الفردية.
كما ابقت القانون على فكرة تجديد الحبس عبر الدوائر التليفزيونية والتي تمس بحقوق المتهمين ومحاميهم في ابداء شكاواهم ودفوعهم القانونية أمام القضاء بشكل مباشر
وتؤكد المؤسسة أن هذه التعديلات تتناقض مع نصوص الدستور (وخاصة المواد 54، 96، و98) ومع التزامات الدولة بموجب العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والمراجعة الدورية أمام مجلس حقوق الإنسان.

